الشهيد فرج فودة...33 سنة على اغتيال الحقيقة الغائبة...

 الشهيد فرج فودة...33 سنة على اغتيال الحقيقة الغائبة...

تعود بدايات القصة إلى أوائل سبعينيات القرن الماضي، عندما قرر الرئيس المقبور السادات بعودة الأحزاب اليمينية والادارية والتنظيمات الاسلامية،لتوطيد حكمه عبر استعمال هؤلاء لضرب الناصريين واليسار عموما،بعد تنحية اقطاب حكم عبد الناصر عبر ما سمي بثورة التصحيح اي الانقلاب على توجهات ثورة يوليوز 1952،حيث خرجت جحافل الظلام من جحورها عطشانة لسفك الدماء بإسم الاسلام،وقبل ان يكون المفكر فودة ضحية لهم،اغتالوا عرابهم بعد ان وقع على اتفاقية مخيم داوود الاستسلامية.
في تلك الفترة أثارت كتابات الكاتب والمفكر فرج فودة منذ إنتاجاته الفكرية الأولى جدلا واسعا في الشارع المصري والعربي عموما،
وبين المثقفين والمفكرين ورجال الدين وشنت جبهة فقهاء الأزهر والجماعات الإسلامية معا هجوما كبيرا عليه،وقد كان كتاب "الحقيقة الغائبة" أكثرها تلك الكتابات صخبا واضطرابا، ذلك أن الكاتب وجَّهَ سهامه إلى شريحة مهمة من المجتمع المصري،التي تحسب على الاسلام السياسي،حيث قامت فكرة الكتاب على جمع ما اعتبره فودة "خطايا الحكم" في زمن الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين، وقدّم هذه "الخطايا" على أنها حقائق غائبة غيَّبها الإسلاميون على حد رأيه عن قصد وسوء نية، وأظهروا الصفحات المشرقة فقط لحكم المسلمين، حيث قدَّم المؤلف كتابه في ثلاثة فصول ومقدمة وخاتمة، تناول في الفصل الأول عصر الخلفاء الراشدين ثم جعل الفصل الثاني عن الأمويين، وتوقف في الثالث عند العباسيين، وختم بأنه يفضل التوقف هنا، وإن كان ما زال في جعبته المزيد ليذكره.
كان كتاب "الحقيقة الغائبة" تصديا وهجوما عنيفا على فكرة كتاب آخر، اسمه "الفريضة الغائبة" لمؤلفه محمد عبد السلام فرج الذي أصَّل فيه لمنهج وفكر الحركات الجهادية في بداية ثمانينيات القرن الماضي، وهو كتاب صغير في حجمه ولكنه كان مثيرا في محتواه، فقد أثار ضجة كبيرة حين صدر، وألَّب الإسلاميين ضده على اختلاف مشاربهم، واحتوى على وقائع وأفكار صادمة.
لقد كانت المناظرة التي عُقدت في معرض القاهرة الدولي للكتاب التي أعدتها الهيئة العامة للكتاب في مصر ضمن سلسلة من المناظرات على هامش معرض القاهرة الدولي للكتاب في 7 يناير 1992،وسط شغب وهيجان جماعات الاسلام السياسي المتطرفة بداية قصة الاغتيال،مناظرة جدلية، حملت عنوان "مصر بين الدولة الإسلامية والدولة المدنية"، وحضرها نحو 20 ألف شخص وانقسم فيها الحاضرون إلى فريقين، الأول إسلامي التوجه ويضم الشيخ محمد الغزالي، ومرشد الإخوان انداك مأمون الهضيبي، والكاتب محمد عمارة. أما الفريق الثاني فضم فرج فودة والأستاذ محمد خلف الله أحد أعضاء حزب التجمع،ومن ضمن ما جاء في مداخلة الشهيدة فرج: "لا أحد يختلف على الإسلام الدين، ولكن المناظرة اليوم حول الدولة الدينية، وبين الإسلام الدين والإسلام الدولة، رؤية واجتهاداً وفقهاً، الإسلام الدين في أعلى عليين، أما الدولة فهي كيان سياسي وكيان اقتصادي واجتماعي يلزمه برنامج تفصيلي يحدد أسلوب الحكم". لينهي كلمته بالدعوة إلى الله أن يهتدي الجميع بهدي الإسلام، وأن يضعوه في مكانه العزيز، بعيدا عن الاختلاف والمطامع".
ثم شارك الشهيد فرج في مناظرة أخرى بنقابة المهندسين فى 27 يناير حضرها 4 آلاف شخص، ونظمتها اللجنة الثقافية بنقابة المهندسين بالإسكندرية، حملت عنوان "مصر بين الدولة المدنية والدولة الدينية".
لقد كانت آراءه فى المناظرتين حول الدولة المدنية والدولة الدينية السبب المباشر والقصة التي قتلت المفكر فرج فودة.
ففي 3 من يونيو 1992، نشرت جريدة النور الإسلامية،فتوى بإهدار دمه،وبعد خمسة أيام فقط من بيان جريدة النور، وتحديدا في 8 من يونيو انتظر شابان من الجماعة الإسلامية هما أشرف سعيد إبراهيم وعبد الشافى أحمد رمضان، على دراجة بخارية أمام جمعية التنوير المصري التي كان يرأسها فودة،ومقر مكتبه. وفي الساعة السادسة والنصف مساء، وعند خروجه من الجمعية متجهاً نحو سيارته وعن يمينه ابنه "أحمد"، وعن يساره صديقه "وحيد"،أطلق المتهمان النار عليه وسقط فودة فى دمائه، وانطلق السائق وشرطي كان متواجدا بالمنطقة،واستطاعا القبض على أحد المتهمين.نقل فودة إلى المستشفى وظل 6 ساعات فى محاولة لإنقاذه، وزاره فى هذه الساعات الفنان عادل إمام الذى كانت تربطه علاقه قوية بفودة، حيث كان يعتبره رمزا تنويريا كبيرا، لكن فودة توفى ولم تفلح محاولات الإنقاذ.وبالتحقيق مع أحد المجرمين القتلة أعلن أنه قتل فرج فودة بسبب فتوى دينية بقتل المرتد. وحينما سأله المحقق، "لماذا قتلت فرج فودة؟، أجاب: لأنه ينشر كتباً تدعو إلى الكفر والإلحاد. تابع المحقق: هل قرأت هذه الكتب؟، فأجاب القاتل: لا، أنا لا أقرأ ولا أكتب". وبسؤال القاتل عن اختيار موعد الاغتيال قبيل عيد الأضحى، أجاب "لنحرق قلب أهله عليه أكثر".
لكن من أصدر فتوى القتل؟
وبالرجوع الى الجريدة المعلومة نجد انه طيلة 5 اشهر وأصحاب العمامة يصدرون فتوى تلوى الاخرى وصلت حد تكفيره، بل والدفاع عن قاتله"بأنه لم يتورط في جريمة قتل، بل طبق حدود الله على المرتد"..!!، بحسب شهادة الشيخ محمد الغزالي في المحكمة، وكانت اخر فتوى تلك التي أصدرها أستاذ العقيدة بجامعة الأزهر محمود مزروعة، أحد الشاهدين الرئيسيين في قضية مقتل فودة، ونفذها مسلحان ينتميان إلى الجماعة الإسلامية.
ألّف الشهيد فرج فودة عددا من الكتب خلال تلك الفترة، هي "قبل السقوط" و"الحقيقة الغائبة"(1984)،و"الملعوب"، و"الطائفية إلى أين؟" بالاشتراك مع يونان لبيب رزق، وخليل عبد الكريم، و"حوار حول العلمانية".ولقيت الكتب اهتماما، فطبع بعضها أكثر من مرة ودرس بعضها في الجامعات والمعاهد.
كما كتب عددا من المقالات في جرائد المعارضة اليسارية والقومية، خاض فيها العديد من المعارك الفكرية دفاعا عن مبادئ الدولة المدنية من علمانية ووحدة وطنية وحقوق إنسان.والخلاصة ان لا يرجى خيرا في أمة تقتل مفكريها..


تعليقات